|
العارف الغريب
بقلم
قوام الدين محمد أمين
دوّت
صرخات الثكالى أركان الوادي، وظلَّ صداها يتردد دونما
انقطاع، سمعها بقلبه قبل أنْ تخرج من أفواههن
الذابلات، وظلّتْ دموعه تلسع وجنتيه ليلَ نهار، فكر
طويلاً:
-ما عساه أنْ يفعل؟
-كيف ينقذ جميع هؤلاء؟
يراهم بوضوح، رجالاً ونساءً،
أطفالاً وشيوخاً، كلهم يحتشدون بوادٍ مظلم لَمْ تشرق
عليه شمس النهار، إلا لُحَيظات قبــل آلاف السنين!!،
يراهم بحزنٍ شديد، ويشعر بما يشعرون، لكنهم لَمْ يروه
يوماً قط!
فكر طويلاً:
-أيترك قمّة الجبل التي وصل
إليها ويعود إلى الوادي مـــن جديد؛ راجياً إنقاذ كلَّ
أو بعض مَنْ فيه؟
تذكّر ماضيه بمرارة، كيف كان
بينهم قبل أنْ يعرف الطريق للوصول إلى ما وصل إليه
اليوم، لقدْ تمرَّدَ على أغلب ما كانوا يعتقدون، سعى
لأجل الحق متسلّحاً بالدليل لا الوهم والخيال، بلْ
ولَمْ يرضَ يوماً حتى بالقرينة بديلاً عن الدليل
والبرهان، فشتّان بين الاثنين.
ارتسمتْ أمامه تلك السنون
الحالكة التي حاول فيها مجابهة كلّ ما هو خاطئ ومغلوط،
وظلَّ يسبح حينها في بحرٍ هائج عكـــس التيّار؛ فأنبذه
الجميع ورموه بالتطرّف والجنون، ولَمْ يصدقوه!
تذكّر كيف أخذوه أمام أعين
الجميع إلى قعر السجون، وتذكّر تلك الساعات اللسّاعات:
كيف سلبوه كلَّ شيء، حتى كرامة الإنسان!
ظلَّ يفكر:
-هل يعود إليهم، أمْ يرقد حيثما
وصل إليه؟!
حقّاً إنه الآن لوحده ويشعر
بالغربة، إلا أنه لا يشعر اليوم بغير صفاء البال،
وطمأنينة القلب، وراحة الضمير..
لقد خسر كلَّ شيء، حتى كرامة
الإنسان، لكنه ربح نفسه، ربح الإنسان، وحاز على رضوان
واجب الوجود، إلا أنه لا يستطيع تحمّل هذه الدموع،
ولنْ يقدر يوماً أنْ يصمَّ أذنيه عن هذه الصرخـــــات
المتتالية..
يرى كلَّ يومٍ بوضوح:
-وحوشٌ تنهش بأجساد العذارى خلف
قضبان الحديد؟!
-أيدٍ تعبث بمقادير الأمور في
وضح النهار؟!
-تجّارٌ احترفوا تجارة الدماء
كما احترفوا تجارة العبيد؟!
-أطفالٌ تبكي؟!
-أمهاتٌ يصرخن؟!
-شيوخٌ تتهاوى بخنوع؟!
-شبابٌ يتسلل إليهم الهرم دون
خجلٍ أو وجل؟!
-أبكارٌ تلدم صدرها على حلمٍ
مذبوح؟!
-ماذا يفعل؟
أخيراً، قرر الرجوع.
قال:
-اليوم ليس كما الأمس، لقد
تعلموا الكثير وسيفهمون ما أقول.
نزل إليهم مسرعاً، صرخَ بين
الحشود:
-أيها الناس اسمعوا وعوا..
{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
فوجأ بما رآه، لقد نزع الكلّ
مديته المسمومة وتقدّم إليه، نظر إليهم باستغراب شديد،
العذارى من خلف القضبان، والنساء الثاكلات، والشيوخ،
والأطفال.. كلهم دون استثناء..
تقدّم الجميع نحوه بمديّة
مسمومة، ولَمْ يشعر إلا بالطعنات تلو الطعنات تخترق
جسده الذي لَمْ يتعافَ بعد من عذابات السنيــــن
الماضية، اغرورقت عيناه بالدموع، نظر إلى قاتليه،
تلفّظ بأنفاسٍ متقطعة الأوصال:
-{إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
لحظات حتى غطَّ في سباتٍ عميق
وسط بُركةٍ من دمٍ قانٍ يحمل كلَّ شواهد التاريخ،
فارتعدت السماء، واهتزت الأرض تحـت الأقدام، وحلّقت
فوقه حمامات بيضاء كانت تنتظر منذ سنين لتزفّه إلى
دوحة الفردوس حيث الخلود وكرامة الإنسان .
* * * * *
يسمح بالاقتباس مع
إيراد المصدر
الموقع الشخصي للأديب قوام الدين محمد
أمين
العارف الغريب في موقع ملتقى أدباء ومشاهير العرب
العارف الغريب في موقع ملتقى الحكايا الأدبي
رأي الأديب والفنان تحسين عباس في العارف الغريب
رأي الشاعرة يارا حسين في العارف الغريب |