|
الباحث في علم الأنساب
بقلم
قوام الدين محمد أمين
تقديم
بسم الذي كان قبل أن يكون، وكان كما
يكون، من ليس كمثله شيء، خالق الضوء والفيء، من هو هو،
وليس غيره هو، خلقنا من العدم، وركبنا من لحمٍ ودم،
وجعلنا بشراً أسوياء، نقتدي بسادة أولياء، نرتجي بهم
عفوه الكريم، يوم نؤوب إليه بقلبٍ سليم..
ثم خير ما ابتدأ به من الكلام، هو الصلاة
والسلام، على سيد المرسلين والأنام، محمد النبي
الهمام، العربي الصادق الأمين، جد الأتقياء والمؤمنين،
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين..
فأحياء وأموات، وآباء وأمهات، وأبناء
وبنات، ودقائق معدودات، وذاهب وآت، وما كل غادٍ قد
فات، بل ما كل قريب آت، وليل ونهار، وبناء ودمار،
وعلوُ واندثار، واحترام واحتقار، وماء ونار، وثُيّب
وأبكار، وشقي وسعيد، وقريب وبعيد، ونامٍ وزهيد، وقديم
وجديد، وجاهل وعالم، ومأفون وفاهم، ومفترق ولازم،
أضداد بعد أضداد، وأضداد بعد أضداد، وكل من عليها فان،
إلا خالق الأكوان، ومنشئ الأبدان، مصور الأنس والجان،
رب العزّة ذو الجلال والإكرام..
أما بعد..
فالإنسان كائن مفكر، ولولا نعمة العقل
التي وهبها الله جل علاه لهذا الكائن الضعيف، لما كان
له من الفضل عمن سواه شيء قط، ومن هؤلاء المفكرين هم
الذين وضعوا على عاتقهم الغوص في لجج التاريخ بحثاً عن
دقائق الحقائق، ولعل من أصعب العلوم هو علم الأنساب،
إذ هو علم شائك معقد، لا يستطيع كل من أراد الغوص فيه
النجاة منه، إلا أن في هذا الزمن الصعب، إذ يعاني
العراقيون ما يعانون، يظهر لنا من بين الديجور السيد
عدنان بن السيد عطية المولى المشعشعي الذي تحمل الصعاب
وعانى ما عاناه من أجل البحث عن أنساب السادة الأشراف،
فأوشج الموصول منها بغير الموصول، معتمداً على ما أطلع
عليه من المصادر، متوخياً قول سيدنا أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه، إذ قال يوصي ولده
سيدنا الحسن:
(( يا بني أكرم عشيرتك، فأنهم جناحك الذي
به تطير، فأنك بهم تصول، وبهم تطول، وهم العدّة عند
الشدّة، أكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورك،
ويسر عن معسرهم ))..
فأسعف القراء بكتابه هذا الموسوم بـ
(الـكوثر)، وقد أطلعت عليه، فوجدت فيه الكثير من الجد
الذي بذله المؤلف فيه، وقد لا أتفقع معه في بعض
الآراء، كقوله مثلاً عمن يذكر عبارة (يدعون نسبهم):
((فهذه الكلمة في كتاب يخص النسب تعتبر طعن، والطعن
محظور إن لم نقل أعمق منها))، إذ أني أرى أن ما ذهب
إليه السيد المشعشعي وفقه الله ليس صحيحاً، فإنما عدم
تيقن الباحث من نتيجة البحث لعدم وضوح الدليل أو
انتفائه مع احتمال النتيجة العكسية، بل حتى وأن تم
وضوح الدليل فهو ليس بدليل على اليقين بقدر ما هو دليل
على الترجيح، إذ تبقى الحقيقة المتوخاة في علم الأنساب
لا تتجاوز الـ (80%) مهما حاول الباحث التعمق وسبر غور
الموضوع بالتدقيق والتحقيق!!، حيث ما يصل إليه
الاحتمال يبطل به الاستدلال، لذا فإنَّ النتيجة في
جميع الأحوال تبقى لديه من المرجحات وليست من
القطعيات، كون أن العمل كله يدور ضمن دائرة العمل
الظني لا دائرة العمل اليقيني، وكلاهما شتان، فتأمل!!
كل ذلك يقود الباحث المنصف لإدراج عبارة تبرئ ذمته
أمام الله تعالى ويخلي بها ساحته أمام الناقدين توخياً
للحقيقة، فيذكر لذلك تلك العبارة التي أشار إليها
السيد مؤلف الكتاب، بل وغيرها من العبارات، أمثال
قولهم: (كذا قالوا)، و (هكذا وجدنا نسبهم)، و (حسبما
يقولون)، و (حسبما يدعون)، و (حسب أدعائهم)، وغيرها
مما يرادفها المعنى ذاته..
كما لا أتفق معه بأخذ الدليل من غير
محله، إذ نقل عن سيدنا عمر بن الخطاب قوله: ((عيادة
بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة))، وقال في رواية أخرى
عنه: ((عيادة بني هاشم سنة وزيارتهم نافلة))، فكان
الأحرى به رفع الحديث، وإن رفعه فهو محل نظر وتأمل، إذ
ليس كل ما ينسب إلى شخص ما بالضرورة يكون قد قاله هو
بالفعل، فتأمل !!..
كما لا أتفق مع السيد المؤلف بإشارته إن
السادة هم الذين من ذرية الإمامين الحسن والحسين ومن
كانت أمه سيدتنا فاطمة كذلك، حيث يستدل رأي المؤلف
بهذا المنحى من خلال ذكره العبارات التي ظنها أنها
تشير إلى هذا المعنى وهي ليست كذلك، فقد نقل السيد
المؤلف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله:
((أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب))، وقوله عليه
الصلاة والسلام: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل
الجنة))، وهنا محل الإشكال، فليس دليل سيادة سيدنا علي
بن أي طالب كرَّم الله تعالى وجهه على العرب بدليل على
سيادة من أنتسب إليه على من ساد عليهم جده أمير
المؤمنين!!، ثم أن السيد سيد على العرب والأعاجم على
حد سواء، وإنما السيد هو من أتصل بنسب صريح إلى هاشم،
فالجعفريون (بنو جعفر الطيار)، والعباسيون (بنو العباس
عم النبي)، وغيرهم ممن يتصل نسبه بهاشم هم كذلك سادة
أشراف، وأما اعتماد هذا الرأي فهو من باب القياس الذي
لا يؤخذ به لبطلانه، ولو سلمنا جدلاً بأن ذرية سيدتنا
الزهراء هم السادة فحسب، فسوف نقف أمام نقطة مهمة
للغاية، هي:
هل السيادة بالانتساب سبباً أم نسباً؟
فإذا كانت سبباً (أي: عبر المصاهرة) فنكون
بذلك قد أجزنا لكل من هو من ذرية الرسول (عليه الصلاة
والسلام) سبباً (أي: من أمه علوية وأبوه من العوام) أن
يدعي الانتساب إلى الدوحة المحمدية نسباً، كما هو حادث
بالفعل عند البعض ممن نعاصرهم اليوم ممن تسنموا بعض
المناصب الحساسة للغاية!!، حيث تركوا عِمَّتَهم
(عمامتهم) البيضاء وارتدوا العِمَّة السوداء اعتماداً
على مبدأ المصاهرة (الارتباط السببي)، وهذا ما يجعل
الأنساب تختلط فيما بينها، وهو ما لا يصح، بل ويتعارض
مع قوله تعالى: ((ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ
أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ))،
ولم يقل تقدست ذاته: أدعوهم لأمهاتهم، نعم، قد يكون
لذراري الرسول عليه الصلاة والسلام سبباً ما لذررايه
نسباً في بعض الأمور، ثم إذا كانت السيادة وفقاً
للارتباط السببي لا النسبي فإن سيدنا أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب هو أبن عم الرسول عليه الصلاة
والسلام، وبذلك يكون سيدنا علي كرَّم الله تعالى وجهه
ليس من السادة، وهذا فرض متناقض الاتجاهين، فإذا كان
أمير المؤمنين ليس سيداً لعدم ارتباطه بالزهراء، فهذا
يعني أن ذريته أيضاً هم ليسوا من السادة!!، وإذا كان
الرسول سيداً وهو ما لا يختلف عليه اثنان فهذا يعني أن
آباءه هم أيضاً من السادة، وعليه تصح سيادة أمير
المؤمنين بعيداً عن الارتباط السببي بالرسول عبر
السيدة الزهراء، لذا فإنَّ أدعاء السيادة النسبية
وفقاً للارتباط السببي مرفوض من قبلنا شكلاً وموضوعاً،
فتأمَّل!!..
كما لا أتفق مع السيد المؤلف في جعله
قيساً (جد العشائر القيسية المضرية) ابناً لعيلان، حيث
إنَّ الأخير (أي: عيلان) كان عبداً عند قيس فأحتضنه
وسميَّ به (قيس عيلان) وليس (قيس بن عيلان)، وغيره
القليل مما ذهب إليه السيد المؤلف..
إلا أني أتفق معه من تهجم الكثيرين على
السادة المشعشعيين، حيث أن الدولة المشعشعية التي نشأت
سنة (844هـ/ 1440م) في منطقة عربستان (خوزستان سابقاً)
وكانت قاعدتها الحويزة امتدت إلى أغلب المناطق
الإيرانية، ثم شملت البصرة والجزائر لمدة وجيزة، ووصلت
أسوار بغداد بعد ضرب المواقع الحربية التابعة للمغول
في واسط العراق والنجف والحلة وبغداد، وقاموا بطرد
جميع اليهود الذين كانوا في البصرة والجزائر والحويزة
والذين يقومون بسك النقود، مما جعل أعداء العرب يتهمون
مؤسسها السيد محمد المهدي المشعشع الموسوي بالمغالاة،
ويشيعون بين الناس أنه من المدعين بالمهدوية (أي: أنه
صاحب الزمان المهدي المنتظر الذي تؤمن به الشيعة
الأثني عشرية) محاولين بذلك استغلال النعرات الطائفية
والاستفادة منها في شل الوحدة العربية من خلال تطبيق
سياسة (فرق تسد)!!، وكان ولده السيد علي المولى
المولود سنة (841هـ/ 1437م) من أشد الفرسان الحانقين
على أعداء الأمة العربية، وقد فتك بهم فتكاً مريعاً
حتى جعل الأعداء يروجون عنه أخباراً كاذبة، مثلما
فعلوا مع أبيه، إذ شاعوا بين الناس أنه أحرق الحجر
الدائر على قبة سيدنا علي، وجعلها مطبخاً للطعام، وأنه
قال عن سيدنا علي أنه رب والرب لا يموت، ثم شيعوا عنه
أنه أدعى الإلوهية، وهذا ما جعل العرب تفترق شيئاً
فشيئاً غير مفكرين بإمعان بحقيقة حال هذه الإشاعات
المغرضة التي روجها أعداء الأمة العربية، ولم يحاول أي
منهم أن يسأل نفسه ولو لمرة واحدة: كيف يمكن لرجل أن
يهدم مرقد جده ليجعل منه مطبخاً للطعام؟؟، خاصة وأن
هذا الرجل هو من الأعلام البارزين العارفين بأمور
الدين والدنيا!!، علاوة على أن ذلك الجد هو أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب؟!، وكيف له أن يتقول عن جده
الأقاويل؟!، أو أن يدعي أنه روح جده؟!، بل ويزداد
الأمر سوءاً أنه يدعي الإلوهية؟!، كل هذه الأمور جعلت
العرب في حينه تفترق عن النواة الحقيقية الداعية
لمحاربة أعداء الأمة العربية، إضافة إلى شراء ذمم ضعاف
الضمائر بالأموال والهدايا وإطعامهم المناصب، وهو ما
يحصل اليوم بطبيعة الحال..
وعوداً على بدء، فإنَّ الجهد المبذول
واضح للعيان، وهو جهد يشكر عليه الشكر الجزيل، وقد
أضاف السيد عدنان المشعشعي إلى مكتبتنا العربية كتاباً
قد لا يستغني عنه ذووا الاختصاص خاصة والقراء المهتمون
عامة، أسأل الله العلي القدير أن يوفق السيد المؤلف
لكل خير، وأن يسدد خطاه على طريق الحق بمسعاه، وأن
يتحفنا بكتبه الذي نوه عنه في طيات سفره هذا (الشريان
الأبهر في أنساب من تأخر)، جعلنا الله وإياه من
الداعين إليه، والمتوخين للحقيقة تقرباً إليه، أنه نعم
المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين
الطاهرين وصحبه المنتجبين.
حرر بعراق الخير والعطاء بتاريخ يوم السبت
المصادف (30/ رجب/ 1426هـ)
الموافق (3/ 9/ 2005م)
* * * * *
يسمح بالاقتباس مع
إيراد المصدر
الموقع الشخصي للأديب قوام الدين محمد
أمين
عبر الرابط التالي
http://www.qiwamudinameen.com
|