|
الولي
المقدَّس
بقلم
قوام الدين محمد أمين
بين عشراتْ
الحشود المتلاطمة، حاول أنْ يُكمل مراسيم زيارته
كعادته كلَّ يوم، وبصعوبة بالغة أمسكتْ أصابعه بضريح
الولي المقدَّس، كان يشعر إنَّ زيارته لنْ تُقبَلْ ما
لَمْ يفعل ذلك..
أمسكَ الضريح بقوّة
وحاول أنْ يُلصِق جسده به، ففعل ذلك بعد جهدٍ كبير،
سرَتْ بداخله رعشةٌ قويّة، فقال بصوتٍ ملؤه الخشوع:
-
فِداكَ روحي يا ولي الرب.
وطلبَ منه حوائجه:
-
أُريد زوجةً صالحة..
-
أُريد مالاً وفيراً..
-
أريد... أريد...
سأل كلَّ ما
يتمناه، وبكى بُكاءً مريراً، أخذَ الضريح بقوّة، قال
بحزنٍ شديد يخاطب وليَّه المقدَّس:
-
اغفر لي ذنبي يا وليَّ
الرب، فلمْ استطع زيارتك بالأمس لوعكةٍ شديدة، اغفر
لي، اغفر لي.
ظلَّ يبكي بأسىً
شديد متوسلاً من وليّه العفوّ والغفران!، حتّى جفّت
عيناه ولَمْ يعد فيهما دمعة واحدة..
وبكلَّ إجلالٍ
وإعظام انحنى برأسه مودّعاً، وتقهقر تاركاً مكانه
لزائرٍ آخر حلَّ فيه على الفور بأسرع من لمح البصر!،
وقبــــــلَ أنْ يغادر المكان أخذ نفساً عميقاً،
واستنشق جميع روائح البخور التي يعجُّ بها المكان..
وما أنْ همَّ
بالخروج حتى شاهد صديقه الحميم وجهاً لوجه.. تعانقا
بحرارة، وأستغرب الصديق لمّا رآه!!
قال له:
-
لماذا تُتعِبْ نفسك
بزيارة الولي نهاراً ولكَ أنْ تزوره لوحدك ليلاً دون
كدٍّ أو عناء؟!؛ فأبوك متولٍّ لهذا المكان المقدَّس،
ومفاتيح الأبواب بين يديك؟!
أجابه بإيمانٍ
عميق:
-
الأجر على قدر المشقّة.
فأجابه الصديق:
-
ولكنْ في الليل تُقضى
الحوائج وتُرفَعْ الأستار.
وولّى كلٌّ منهما
شطرَ طريقه..
لَمْ يعتدْ على
دخول المكان ليلاً، أبوه هو مَنْ يدخله حسب؛ فهو
المتولي وهو الأحق بذلك دون سواه، لكنه فكّرَ لبرهة:
-
لِمَ لا أُجرِّب زيارة
الولي المقدَّس ليلاً؟؛ لعلَّ التلاحم الروحي يكون
أقوى؟
نظرَ إلى الساعة
المعلّقة على الجدار فعلم إنَّ بين الليل ولحظته هذه
ساعاتٌ طوال، فقرر أنْ يقضيها في النسك والعبادة..
وحين حلَّ الليل توجّه بكلِّ خشوع لزيارة وليّه
المقدَّس..
كان الليل يخيم
على المكان، وليس من صوتٍ سوى أصوات الصراصير ونقيق
الضفادع، فوجأ بضوءٍ خافت يخرج من مرقد الوليِّ
المقدَّس!، سرَتْ بداخله رعشةٌ قويّة..
قال وهو يرتجف:
-
لعلَّ الملائكة حلَّتْ
بالمكان؟!
حدثته نفسه:
-
لعلَّ الولي اختار لكَ
زوجة من حوريات الجنة، وقد اختارك دون أبناء القرية
لشدّة إيمانك وتقواك!
فقال يحدِّث نفسه:
-
أو لأنّي ابنٌ لمتوليه؟
حثَّ الخطى وتسارعت
دقات قلبه، أخرج مفتاح المرقد من جيبه وأراد أنْ يضعه
في محله لفتح الباب، وفوجأ بما رآه، لقد كانت الباب
مفتوحة وقدْ تُرِكَتْ دون أنْ تُغلَق تماماً!
حدَّثته نفسه:
-
لعلها كرامة الأولياء؟
فكّرَ قليلاً:
-
لقدْ أغلقتُها عشيّاً
بمفتاحي هذا، فمَنْ فتحها الآنْ؟!
ازداد خشوعاً، فتح
الباب بهدوء ودخله برجله اليمنى بعدما خلع نعليه،
ارتطمتْ قدمه بشيء، انحنى إليه فإذا بها عِمّةٌ
تشبه عِمّة أبيه؟!، تملّكه الاستغراب، كان الضوء
الخافت يسري من الضريح لينتشر إلى جميع أرجاء المرقد؛
فيبدد العتمة شيئاً فشيئاً..
سارَ ببطءٍ لخطوة
أو خطوتين، ولمحت عيناه شيئاً آخر مرميّاً على الأرض،
تقدّم إليه بهدوءٍ ووجل، رفعه بحذرٍ شديد..
قال:
-
يا للعجب!!
كان قميص امرأة؟!،
و...
ساورته الشكوك،
ماذا يحدث؟!، إنه أمرٌ غريب!، أدار وجهه يميناً يتفقّد
المكان، فوجأ بما رآه!، كانت ثياباً تُشبه ثياب أبيه
وهي ملقاة على الأرض تعانق ثياب امرأة!، وجوارها
زجاجتـان فارغتان، وكأسان من الزجاج، قرأ ما مكتوبٌ
عليها، ثغر فــاه وقال:
-
يا للعجب!
إنها المرة الأولى
التي يرى فيها زجاجة خمر!، طرحها أرضاً وسرى الخوف
بداخله من أمرٍ مريب، تقدم ببطءٍ نحو حجرة الضريح، سمع
همهمات محمومة وضحكات مكبوتة، وبين هذه وتلك تأوهات
امرأة سكرى!
ظلَّ يستمع وهو في
مطرحه دون أنْ يُحرِّك ساكناً، ومرَّ وقتٌ طويل حتى
هدأتْ ثورة الأصوات، وبعد وقت قليل سمع صوتها
المترنِّح يقول:
-
بحقّي عليك، هلْ عرفت
امرأة غيري؟
فأجابها صوتٌ
مترنّحٌ هو الآخر يشبه صوت أبيه:
-
منذ ستة أشهر وأنتِ
تتلذذين معي هنا كلَّ يوم، فهل شاهدتِ غيركِ بين
أحضاني؟
قالتْ:
-
وقبل أنْ تعرفني؟
أجابها ذلك الصوت:
-
وهلْ لي سلوة غير
النساء؟!
قالتْ:
-
لا أعجب كيف أوقعتْ بي
دون علم زوجي وزوجتك كما أوقعت بباقي النساء؛ فمن يدفن
حماراً ويدّعي إنه وليٌّ مقدَّس يفعل كلّ شيء دون
حياء!
ضحك ذلك الصوت
بملء فيه، وقال:
-
بلْ كلّما مات لي حمارٌ
دفنته هنا، وما ذنبي إذا كان أهل القرية مأفونون لا
يفقهون من العلم شيئاً؟!
قالتْ:
-
يا لكَ من ماكرٍ محتال!
فأجابها الصوت:
-
ويا لكُنَّ من فاكهةٍ
لذيذة كلّما أكلتُ منها ازددتُ جوعــــاً وشرهاً..
هيا، هيا، تعالي إليَّ لتُطفئي نار الفؤاد.
وعادتْ همهماتهما
من جديد.
فوجأ بما سمع، هلْ يمكن
له أنْ يصدِّق ما قيل؟..
-
هل كان كلّ هذه السنين
يسأل حاجته من حمار؟..
-
أكان اليوم يرجو غفران
ذنبه من حمارٍ لعين لا من وليٍّ مقدَّس؟!
تصدّع رأسه ألماً،
وازداد ألمه كلّما ازدادتْ همهماتهما شــــدةً
وارتفاعاً، مدَّ وجهه بحذر لينظر، بحلق فيهما بدقّة،
كان أبـــــوه حقّاً!
قال باستغرابٍ شديد
يخالجه الحزن والألم:
-
نعمْ، هو أبي بعينه لا
غير!
شاهدهما بأمِّ
عينيه، كانا يتلوّان عاريين كما يتلوى الأفعوان، مرّة
يرتطمان بمرقد الولي ومرّة بالجدار..
لَمْ يتحمّل ما رآه؛
ففرَ مسرعاً ولاذ بالخروج.
لَمْ ينمْ ليلته هذه
قط، كان ينتظر مجيء الصباح ليعرف الحقيقة، وفي كلِّ
لحظةٍ تمرّ يسأل نفسه:
-
أكانَ عليَّ أنْ أبحث عن
الدليل ولا أُصدِّق كلَّ ما يُقال؟
ولمّا حلَّ ما أراد،
تقدّم بين الحشود الغفيرة، دخل الضريح، رفع غطاء التابوت، دخل القبر،
فوجأ بما رآه، عظامُ حميــر لا غير!، خرج من القبر
مسرعاً بكلِّ ذهول، وقفَ بين الحشود..
صرخَ عالياً:
-
أيها الناس اعرفوا
الحقيقة، أيها الناس اعرفوا الحقيقة..
نظرَ إليه الجميع،
الكلُّ ينتظر منه أنْ يخبرهم بما يريد..
أكملَ جملته:
-
{وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
وَلْيُؤْمِنُوا بِي؛ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}..
سرت همهمة بين
الجميع، فأردف قائلاً:
-
أيها الناس، إنَّ لكلِّ
مجتهدٍ نصيب، وإنَّ وليَّ الرب الذي تلتجئون إليه من
دون الله ما هو إلا حمار...
أرادَ أنْ يُكمل،
لكنَّ الأيدي تهاوتْ عليه بقبضاتها سريعاً، فسقط
لافظاً أنفاسه الأخيرة، وما أنْ أصبح جثةً هامدة حتّى
بدأ الجميع يهــمُّ بإخراجه من المرقد ركلاً بالأقدام
وهم ينادون بصوتٍ واحد:
-
يا وليَّ الرب تقبّل منّا
هذا القربان.. تقبّل منّا هذا القربان.
* * * * *
يسمح بالاقتباس مع
إيراد المصدر
الموقع الشخصي للأديب قوام الدين محمد
أمين
عبر الرابط التالي
http://www.qiwamudinameen.com
أضف تعليقك على ما قرأت
|